الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
22
انوار الأصول
بعد بعث الرسل وإنزال الكتب وتبليغ الأحكام والتكاليف إلى العباد ، وهذا لا ربط له بما نحن فيه من الشكّ في التكليف بعد البعث والإنزال والتبليغ وعروض اختفاء التكليف لبعض الموجبات التي لا دخل للشارع فيها » « 2 » . والجواب عنه : أنّ بعث الرسل في الآية كناية عن إتمام الحجّة كما مرّ ، فتدلّ على نفي العذاب ما لم تتمّ الحجّة بعد البعث ، والشاهد عليه قوله تعالى في الآية اللاحقة : « وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ . . . » فهي تدلّ على أنّ الميزان في العذاب هو صدور الأمر ووقوع الفسق بعده ، كما يشهد عليه أيضاً ما مرّ من قوله تعالى في سورة القصص : « وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا . . . » لأنّها تصرّح بأنّ الملاك هو تلاوة الآيات لا مجرّد البعث . الخامس : النقض بالمستقلّات العقليّة ، فإنّه لا إشكال ( كما مرّ في بعض الأبحاث السابقة ) في تعذيبه تعالى على ترك المستقلّات العقليّة ، كقبح قتل النفس المحترمة والسرقة والخيانة وغيرها من المعاصي التي يحكم بقبحها العقل مستقلًا ، ولو وقعت قبل بعث الرسل . والجواب عنه : أنّ الآية منصرفة إلى أحكام تحتاج إلى البيان ، ولا حاجة إلى البيان في المستقلّات العقليّة التي لا يصحّ فيها الاعتذار بقولهم : « لَوْ لَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى » ، ولذلك يقال في مباحث العقائد أنّ من فوائد وجود النبي صلى الله عليه وآله تأكيده المستقلّات العقليّة والتأسيس بالنسبة إلى غيرها . فتلخّص ممّا ذكر أنّ جميع الإشكالات الواردة مندفعة ، وإنّ الآية صالحة للاستدلال على أصالة البراءة في الشبهات الحكميّة التحريميّة . نعم إنّ النسبة بين هذه الآية والأخبار التي استدلّ بها الأخباريون على الاحتياط هي نسبة الورود ، فهي مورودة بتلك الأخبار لأنّ لسانها لسان قاعدة قبح العقاب بلا بيان أو بلا حجّة ، وتلك الأخبار على فرض دلالتها بيان وحجّة ، لكن تظهر ثمرتها في تأسيس الأصل الأولي في المسألة وأنّ الأصل هو البراءة ، فيرجع إليها إذا ناقشنا في دلالة تلك الأخبار على الاحتياط .
--> ( 2 ) فوائد الأصول : ج 3 ، ص 333 .